يحيي شعوب داغستان في هذه الأيام ذكرى رحيل الـ ١٥٠ للمجاهد الكبير والقائد الديني والسياسي لشعوب القوقاز قاطبة، المعروف بـ “نسر القوقاز” و”أسد داغستان” الشيخ الإمام شامل الداغستاني رحمه الله.
الإمام شامل، الزعيم السياسي والديني لشعوب شمال القوقاز، ولد عام ١٧٩٧م في قرية غيمري بداغستان. تعلم العلوم الدينية مثل التفسير والحديث والفقه والأدب والتاريخ على يد علماء داغستان ذلك الوقت.

الإمبراطورية الروسية تتوسع.. والقوقاز الصغير يقاوم
كان قدر البلدان الصغيرة المتناثرة على رؤوس الجبال في القوقاز أن تكون طريقًا لمطامع الإمبراطورية الروسية التي كانت تسعى لبسط نفوذها على المزيد من الدول، بعد أن أصبحت واحدة من الإمبراطوريات الكبرى في العالم في القرن التاسع عشر.
وداغستان هي جزء من منطقة القوقاز الشمالي التي تضم الشيشان وأنغوشيا وأوسيتيا وبلاد الشركس، وهي أكبر منطقة في القوقاز ومواجهة لروسيا مباشرة، وبالتالي فهي طريقهم للوصول إلى جنوب القوقاز ومنه إلى الهند لانتزاعها من المغول وبسط سيطرتها عليها. هذا هو المخطط الذي أحبطه الإمام شامل، وظل حجر عثرة في طريق تحقيقه طيلة ربع قرن، بعد أن خاض وبلاده الصغيرة حربًا مع دولة عظمى، لم تكن موازين القوى الاعتيادية لتسمح بها.
تحويل الأعداء إلى إخوة وتوحيد القرى المتصارِعة
عندما أعلنت روسيا حمايتها على جورجيا المجاورة لداغستان، بدأ الداغستانيون يقاومون الوجود الروسي، وكان أول من حمل لواء المقاومة هو: الإمام الغازي محمد، الذي ولد في نفس القرية، ثم انتقلت الراية من بعده إلى الإمام حمزة بك، قبل أن يؤول الأمر بعد مقتله إلى الإمام شامل الداغستاني عام 1834.
كانت المهمة الأصعب التي تنتظر الإمام هي توحيد القبائل والقوميات المختلفة؛ إذ إن هناك 30 قومية في هذه البقعة الصغيرة، وأكثر من 40 لغة تختلف كل منها عن الأخرى.
نجح الإمام في توحيد هذه القبائل في داغستان والشيشان، وأقام دولة مستقلة عرفت باسم «دولة إمامة القوقاز»، وكان هذا الإنجاز من أكثر ما يفخر به الإمام. حين قال له الجنرال بارياتنسكي، بعد أن أسره في آخر مواجهاته ضد الروس: «عبثًا كانت كل جهودك»، أجابه الإمام: «كلا لم تكن عبثًا، لقد جعل نضالي من أعداء كُثُرٍ إخوة، ووحد قرى كانت تتنازع فيما بينها، وأصبحت شعوب داغستان الكثيرة التي كانت تتعادى فيما بينها شعبًا داغستانيًا واحدًا، فهل هذا شيء قليل؟”.
الإمام يقع في الأسر.. يموت في المدينة ويدفن في البقيع
بعد سنوات من القتال والحملات والمعارك، حشدت القيادة القيصرية عام 1859، 200 ألف جندي، وهو ثلث الجيش القيصري آنذاك، وشنت هجومًا كبيرًا هُزمت على إثره الشيشان وداغستان. حوصر الإمام هو و500 شخص من أتباعه في ضواحي قرية غونيب، فتم أسره وإرساله إلى روسيا.

